11‏/04‏/2008

القيام بالقرآن

القيام بالقرآن من أهم مفاتيح تدبر القرآن وتعلمه، وقد ورد عدد من النصوص تؤكد أهميته ، من ذلك قول الله تعالى : {وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا} [(79) سورة الإسراء] ، وقول الله تعالى : {يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلاَّ قَلِيلاً * نِصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً * إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً * }[1-5 سورة المزمل] ، وقول الله تعالى : {لَيْسُواْ سَوَاء مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللّهِ آنَاء اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ} [(113) سورة آل عمران] ، وقول الله تعالى :{أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاء اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ}[ (9) سورة الزمر] ، وقال صلى الله عليه وسلم: "لا حسد إلا في اثنتين رجل أتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار ، ورجل آتاه الله مالا فهو ينفقه آناء الليل وآناء النهار ، فانظر إلى قوله : (ينفقه) مع قوله (يقوم به) فيؤخذ منه أن من آتاه الله القرآن ولم يقم به أي لم يقرأه في صلاة فهو مثل من آتاه الله مالا ولم ينفقه ، ويؤكد هذا الحديث الآتي : عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " تعلموا القرآن فاقْرَؤوه وأقْرِؤوه ، فإن مثل القرآن لمن تعلمه فقام به كمثل جراب محشو مسكا يفوح ريحه في كل مكان ، ومثل من تعلمه فرقد وهو في جوفه كمثل جراب أوكي على مسك فدل هذا الحديث على أن من آتاه الله القرآن فرقد ولم يقم به فهو مثل من اشترى طيبا وتركه مغلقا ولم يستخدمه ، ويبين الحديث التالي الهدف من القيام بالقرآن ، وسبب هذا الفرق الكبير بين من يقوم به ، ومن لا يقوم به ، عن ابن عمر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " إذا قام صاحب القرآن فقرأه بالليل والنهار ذكره وإن لم يقم به نسيه ، فهذا هو بيت القصيد وهو حجر الزاوية في تدبر القرآن والانتفاع به ؛ إنه تذكر آيات القرآن الكريم ، وكونها حاضرة في القلب في كل آن ، وخاصة في المواقف الصعبة في الحياة ، مواقف الشدة والذهول ، المواقف التي يفتن فيها المرء ويمتحن ويختبر ، فمن كان يقوم به آناء الليل ، وآناء النهار فتجد إجابته حاضرة وسريعة وقوية ، تجده وقافا عند كتاب الله تعالى ، وأما من كان مفرطا في استخدام هذا المفتاح فما أسرع ما يسقط ويهوي ، ويدل لهذا المعنى قول الله تعالى : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [(153) سورة البقرة] ، فالصبر هو ثمرة العلم ، والعلم وسيلته القراءة بتدبر ، وهو حاصل لمن قرأ القرآن في صلاة ، لذلك قرن الله تعالى بينهما في أكثر من موضع ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة ، ويطيل فيها قراءة القرآن كما في صلاة الكسوف ، فمن يتربى على هذا المفتاح - وخاصة من الصغر - يسهل عليه الانتفاع به في الحياة ، أما من لم يترب عليه فإنه تضيق به الحياة في حال الشدة ، وتضيع عليه الحياة حال الرخاء.
إن اجتماع القرآن مع الصلاة يمكن أن يشبه باجتماع الأكسجين مع الهيدروجين حيث ينتج من تركيبهما الماء الذي به حياة الأبدان ؛ فكذلك اجتماع القرآن مع الصلاة ينتج عنه ماء حياة القلب وصحته وقوته ، ولذلك فلا تعجب من كل هذا الفضل الذي رتب على هذا العمل ، عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " من قام بعشر آيات لم يكتب من الغافلين ، ومن قام بمئة آية كتب من القانتين ، ومن قام بألف آية كتب من المقنطرين ، وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أيحب أحدكم إذا رجع إلى أهله أن يجد ثلاث خلفات عظام سمان ؟ قلنا : نعم ، قال : فثلاث آيات يقرأ بهن أحدكم في صلاة خير له من ثلاث خلفات عظام سمان ، وبالإضافة إلى ما سبق ذكره فقد دلت نصوص على أن العبد إذا دخل في الصلاة فإنه يزداد قربا من الله تعالى ، وأنه سبحانه يقبل عليه بوجهه ، من ذلك ما جاء عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم: قال : "أيها الناس إن أحدكم إذا كان في الصلاة فإنه مُنَاجٍ ربه ، وربه فيما بينه وبين القبلة ، وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إذا كان أحدكم في صلاة فلا يبزقن أمامه فإنه مستقبل ربه ، قال ابن جريج ’ قلت لعطاء ’: أيجعل الرجل يده على أنفه أو ثوبه ؟ قال: فلا ، قلت من أجل أنه يناجي ربه ؟ قال : نعم ، وأحب ألا يخمر فاه ، قال عطاء ’:"بلغنا أن الرب يقول : إلى أين تلتفت ؟ إليَّ يا ابن آدم ؛ إني خير لك ممن تلتفت إليه ، ولو لم يكن في القراءة داخل الصلاة إلا الانقطاع عن الشواغل والملهيات لكفى ، فإن المصلي إذا دخل في الصلاة حرم عليه الكلام والالتفات والحركة من غير حاجة ، فهذا أعون على التدبر والتفكر وأجمع للقلب ، وأيضا فإن من حوله لا يقاطعه ولا يشغله ما دام في صلاته.

ليست هناك تعليقات: